اسماعيل بن محمد القونوي

186

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بالإفادة تحاشيا عن وصمة اللاغية مع أنه يأتي خلاف ذلك ولا يعد لغوا لأن ذلك كله في الخبر الملقى للمخاطب لا فيما يورده المتكلم لنفسه ولذلك قال ومرجع كون الخبر مفيدا للمخاطب إلى فائدة الخبر ولازمها فقيده بقوله للمخاطب تنبيها على هذا وهذا من نفائس المعاني ولذا أوردته برمته فعليك بحفظه انتهى . قال النحرير في شرح التلخيص في قول المصنف لا شك أن قصد المخبر أي من يكون بصدد الإخبار والإعلام لا من يتلفظ بالجملة الخبرية فإنه كثيرا ما يورد الجملة الخبرية لأغراض سوى إفادة الحكم ولازمه ولا شك أن هذه الأغراض معان مجازية لها والبيان مختص بالحقائق فلا وجه لما قيل ليس المقصود هنا فائدة الخبر ولازمها بل الأمان والاستئمان من المؤمنين والخبر لا ينحصر المقصود منه في الفائدة ولا لازمها وهذا مما استنبط من الكشاف وأخذ منه أن التأكيد يكون للرواج عند المخاطب وصدق الرغبة من المتكلم وتركه لعدمه كما يكون لإزالة الإنكار والتردد انتهى . إن أراد بأن الخبر لا ينحصر الخ . إن الخبر الحقيقي لا ينحصر المقصود منه في الفائدة ولا لازمها فغير مسلم وإن أراد أن مطلق الخبر لا ينحصر الخ . فمسلم لكن لا يضرنا إذ القائل بالحصر أراد الخبر الحقيقي لا مطلق الخبر قوله ولا توقع رواج عطف على وكلمة لا لتأكيد النفي على المؤمنين متعلق بادعاء لأنه يوافق استعماله بعلى وأما تعلقه برواج أقرب معنى لكنه أبعد لفظا إلا أن يقال إن على بمعنى عند أو التضمين قوله من المهاجرين الخ يؤيد الأول . قوله : ( تأكيد لما قبله ) فلذا اختير الفصل على الوصل لكمال الاتصال بينهما ولما كان كونه تأكيدا خفيا أوضحه بقوله ( لأن المستهزىء بالشيء ) هذا بناء على أن المراد بإنا قوله : لأنه المستهزىء بالشيء المستخف به مصر على خلافه لما كان الغرض من توكيد الكلام تحقيق معناه وتقريره وذلك إنما يكون بتكرير معنى الأول وظاهر معنى إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [ البقرة : 14 ] مغاير لمعنى إِنَّا مَعَكُمْ [ البقرة : 5 ] فسره على وجه يؤدي إلى اتحادهما في المآل فإن خلاف الهزء الجد فالمستهزىء بالدين الحق مجد في الباطل ولما أفاد جملة إِنَّا مَعَكُمْ [ البقرة : 14 ] معنى إنا مجدون في دينكم مصرون عليه أكد هذا المعنى جملة إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [ البقرة : 14 ] بمعناها اللازم لها وهذا التأويل إنما هو على تقدير صرف معنى التوكيد إلى التأكيد اللفظي على منوال جاء زيد والأوجه أن يحمل التأكيد على التأكيد المعنوي الكائن على طريقة تحقيق الدعوى بالدليل فإنهم ادعوا أولا بقولهم إِنَّا مَعَكُمْ [ البقرة : 14 ] الثبات على الكفر وحققوا هذا المدعي بالدليل الذي هو تحقير خلافه فإن المستخف بالشيء منكر له ودافع لكونه متعدا به ورفع نقيض الشيء تحقيق وتأكيد لثباته فإن رفع نقيض الشيء ما يستدل به على اثبات عينه فإنه لولا دلالة له عليه يلزم جواز رفع النقيضين معا وعكس صاحب المفتاح فأخذ من إِنَّا مَعَكُمْ [ البقرة : 14 ] معناه اللازم وهو إنا نوهم أصحاب محمد الإيمان وأخذ من إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [ البقرة : 14 ] أصل المعنى ليكون الاستهزاء بهم الاستخفاف بدينهم تقريرا لذلك المعنى اللازم لأنه كان كذكر الشيء مرتين فحمله على التوكيد مبني على أن يراد بإنا معكم على الكناية إنا على دينكم ومذهبكم فيصح توكيده إذا بقوله : إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [ البقرة : 14 ] بمعنى ندفع دين مخالفيكم بالاستهزاء .